Adsense

الاثنين، 2 ديسمبر 2013

عندما تكون التضحيه .....

في يوم ٢٣ يوليو من عام ٥٢م قام عدد من ضباط الجيش المصري "بقيادة جمال عبدالناصر" بالانقلاب على الملكية في مصر والاستيلاء على الحكم وتأسيس نظام ظاهره "جمهوري" وباطنه "عسكري".. وقد أيّد عموم الشعب والأحزاب والجماعات هذا الانقلاب "كما يحدث في الانقلابات عموما وكما حدث في سوريا وليبيا وغيرها" لأن الانقلاب عادة يكون على وضع متردٍّ فيتأمل الناس بالنظام الجديد خيرا ..

ما يهمنا هنا هو أن النظام الجديد سطا سطوةً شديدةً على جماعة الاخوان المسلمين التي أيّدت هذه الثورة "الانقلاب" من ضمن المؤيدين .. بعد أن وُعِدوا بالانفتاح وفتح الطريق امام الدعوة لاسيما وانهم قد عانوا ما عانوه من الملكية التي سُجنوا خلالها وقُتل مرشدهم ومؤسس دعوتهم..

كان من ضمن ضحايا هذا النظام العسكري أحد أبرز العقول الفكرية والأدبية والإسلامية في التاريخ المعاصر "الشهيد سيد قطب" حيث قضى في سجون "عبدالناصر" حوالي ١٥ سنة.. ثم قرر النظام -بمحاكمةٍ عسكريّةٍ  تخترق بسرعتها حاجز الصوت- قرر تخليد هذا الرجل عن طريق إعدامه!

كان بيت "آل قطب" الذي ينتمي اليه "سيد" بيتَ علم وأدب وجهاد.. مارس فيه الأبناء والبنات على حدٍّ سواء صنوف العلم والعمل أدبًا وتصنيفًا ونشرًا وسجنًا وأنفسًا.. وكان من أعضاء هذا البيت أخت الشهيد سيد قطب .. الراحلة "أمينة قطب"..

لقد قلب نظام جمال عبدالناصر ظهر المجن لجماعة الاخوان المسلمين.. فشن عليهم حملة شعواء اعتقل فيها الآلاف منهم. كانت "أمينة قطب" تزور أخاها "سيد" في السجن ككل أختٍ مرهفةٍ أُخِذ أخوها من بين أيديها.. فلما كانت تلتقيه يروي لها قصص رفاق الزنزانة من الاخوان.. فجذبتها قصة أحد قادة الاخوان "كمال السنانيًري" الذي اعتُقل عام 1954م وحوكم محاكمة صورية حُكِم عليه فيها بالإعدام (!!) ثم خفف الحكم إلى السجن "٢٥ سنة" مع الأعمال الشاقة.. و قد شُرّدت عائلته.. وطُلّقت منه امرأته..!

رقّ قلبُ المجاهدة لذلك المجاهد المظلوم الصابر المحتسب.. فكان أن خطبها فوافقت وهي لاتعلم متى سيبني بها! لقد عقد عليها! هو سجين وهي مطلقة السراح، لاسبيل الى الوصل الا من وراء قضبان الظلم! 

ربما تُعتبر من حكايات الـ "فانتازيا".. أن تقبل شابّةٌ الزواج من سجينٍ سيمكث عشرين عاما قبل أن يرافقها! ولكن هذا ماحدث!!

تبادل العريس مع عروسه الرسائل والقصائد والمشاعر؛ وفي احدى الرسائل يكتب الزوج وقد أشفق عليها مما تتكبده من مئات الأميال في سبيل زيارته في سجنٍ جنوب مصر :

"لقد طال الأمد، وأنا مشفِقٌ عليك من هذا العناء، وقد قلت لكِ في بدء ارتباطنا: (قد يُفرَج عني غدًا، وقد أمضي العشرين سنة الباقية أو ينقضي الأجل)، ولا أرضَى أن أكون عقبةً في طريق سعادتك، ولكِ مطلَق الحرية في أن تتخذي ما ترينه صالحًا في أمرِ مستقبلك من الآن، واكتبي لي ما يستقرُّ رأيُك عليه، والله يوفقك لما فيه الخير"

فترد "أمينة" بكُليمات تنبض إخلاصًا وطيب معدن:

"لقد اخترت -يا أملاً أرتقبه- طريق الجهاد والجنة، والثبات والتضحية، والإصرار على ما تعاهدنا عليه بعقيدة راسخة ويقين دون تردد أو ندم"


استمرا على جانبي القضبان ١٧سنة! الى ان اذن الله بلقائهما عام 1976م.. فلا تسل عن اللقيا!

بعد أن خرج الزوج من السجن؛ لم ينس دعوته.. ولم يثن همّتَه ربعُ قرن من القيود.. فعاد مسؤولا في جماعة الإخوان..

لم يدم هذا ذلك اللقاء بين الزوج وزوجته اكثر من ست سنوات؛ وفي الرابع من سبتمبر سنة 1981م اختُطف منها مرة أخرى ليعود إلى السجن قبل مقتل السادات بأيام، ويبقى إلى أن يلقى الله شهيداً من شدة و هول ما لاقاه من تعذيب في السادس من نوفمبر من العام نفسه، وسُلِّمت جثته إلى ذويه شريطة أن يوارى التراب دون إقامة عزاء.. (انظر نهاية الصفحة مقطع فيديو يظهر فيه المتهم بقتله)


كتبت "أمينة" أجمل القصائد وأبدعت أروع الحروف في زوجها وأخيها.. ثم لحقت بهم  عام ٢٠٠٧م بعد حياة مليئة بالبلاء والابتلاء!

مما كتبت إلى زوجها، وقد ملّت الحياة بعد رحيله:

" هلاّ دعــوت الله لي كي ألتقي..
بركابكم في جـــنَّة الرضـــــوان

هلاّ دعوتم في سماء خلودكم..
عند المليك القـــــادر الرحمــــن

أن يجعل الهمّ الثقــــيل براءة..
لي في الحساب فقد بقيتُ أعاني "


انتشرت قصيدتها "هل ترانا نلتقي" انتشار النار في الهشيم وسارت بها ركبان الحُداة في وطننا العربي.. باكين ومبكين.. تقول الكلمات:

" هل ترانا نلتقـي أم أنهـا
كانت اللقيا على أرض السراب؟!

ثم ولَّت وتلاشـى ظلُّهـا
واستحالت ذكـرياتٍ للعذاب

هكذا يسـأل قلبي كلمــا
طالت الأيام من بعد الغياب

فإذا طيفك يرنـو باسما
وكأني في استماع للجـواب

أولم نمضِ على الدرب معًا
كي يعود الخـير للأرض اليباب

فمضينا في طريق شائـك
نتخلى فيه عن كل الرغـاب

ودفنَّا الشوق في أعماقنا
ومضينا في رضــاء واحتساب

قد تعاهدنا على السير معـًا
ثم عاجلت مُجيبًا للذهـاب

حيـن ناداك ربٌّ منعم
لحيـاة في جنـان ورحـاب

ولقاء في نعيم دائم
بجنود الله مرحى بالصحـــاب

قدَّموا الأرواح والعمر فدا
مستجيبين على غـير ارتياب

فليعُد قلبك من غفلاته
فلقاء الخلد في تلك الرحــاب

أيها الراحل عذرًا في شكاتي
فإلى طيفك أنَّات عتـاب

قد تركت القلب يدمي مثقلاً
تائهًا في الليل في عمق الضباب

وإذ أطوي وحيدًا حائرًا
أقطع الدرب طويلاً في اكتئـاب

فإذ الليل خضـمٌّ موحِشٌ
تتلاقى فيه أمواج العـذاب

لم يعُد يبــق في ليلي سنًا
قد توارت كل أنوار الشهاب

غير أني سوف أمضي مثلما
كنت تلقاني في وجه الصعاب

سوف يمضي الرأس مرفوعًا فلا
يرتضي ضعفًا بقول أو جواب

سوف تحذوني دماء عابقات
قد أنارت كل فجٍ للذهـاب "



0 التعليقات:

إرسال تعليق

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More